الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

80

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتنوين كُلًّا عوض عن المضاف إليه . والمعنى : وكلّهم جعلنا صالحين ، أي أصلحنا نفوسهم . والمراد إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، لأنهم الذين كان الحديث الأخير عنهم . وأما لوط فإنما ذكر على طريق المعية وسيخص بالذكر بعد هذه الآية . وإعادة فعل « جعل » في قوله تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا دون أن يقال : وأئمة يهدون ، بعطف أَئِمَّةً على صالِحِينَ ، اهتماما بهذا الجعل الشريف ، وهو جعلهم هادين للناس بعد أن جعلهم صالحين في أنفسهم فأعيد الفعل ليكون له مزيد استقرار . ولأن في إعادة الفعل إعادة ذكر المفعول الأول فكانت إعادته وسيلة إلى إعادة ذكر المفعول الأول . وفي تلك الإعادة من الاعتناء ما في الإظهار في مقام الإضمار كما يظهر بالذوق . والأئمة : جمع إمام وهو القدوة والذي يعمل كعمله . وأصل الإمام المثال الذي يصنع الشيء على صورته في الخير أو في الشر . وجملة يَهْدُونَ في موضع الحال مقيدة لمعنى الإمامة ، أي أنهم أئمة هدى وإرشاد . وقوله بِأَمْرِنا أي كانوا هادين بأمر اللّه ، وهو الوحي زيادة على الجعل . وفي « الكشاف » : « فيه أن من صلح ليكون قدوة في دين اللّه فالهداية محتومة عليه مأمور هو بها ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها . وأول ذلك أن يهتدي بنفسه لأن الانتفاع بهداه أعم والنفوس إلى الاهتداء بالمهدي أميل » اه . وهذا الهدي هو تزكية نفوس الناس وإصلاحها وبث الإيمان ويشمل هذا شؤون الإيمان وشعبه وآدابه . وأما قوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ فذلك إقامة شرائع الدين بين الناس من العبادات والمعاملات . وقد شملها قوله تعالى فِعْلَ الْخَيْراتِ . و فِعْلَ الْخَيْراتِ مصدر مضاف إلى الْخَيْراتِ ، ويتعين أنه مضاف إلى مفعوله لأن الخيرات مفعولة وليست فاعلة فالمصدر هنا بمنزلة الفعل المبني للمجهول لأن المقصود هو مفعوله ، وأما الفاعل فتبع له ، أي أن يفعلوا هم ويفعل قومهم الخيرات ،